المسعودي

369

مروج الذهب ومعادن الجوهر

الناس منه اليوم يُطْمعه ويطغيه ويجرئه ان يخرج في غدٍ فيطلب المبارزة ويعود لمثل قوله ، فطالت على الرشيد ليلته ، وأصبح كالمنتظر له ، إذ فتح الباب ، فإذا الفارس قد خرج ، وعاد إلى كلامه ، فقال الرشيد : من له ؟ فابتدره جلة القواد ، فعزم على إخراج بعضهم ، فضج أهل الثغور والمتطوعة بباب المضرب ، فأذن لبعضهم ، وفي مجلسه مخلد بن الحسين وإبراهيم الفزاري ، فدخلوا ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ، قوادك مشهورون بالبأس ، والنجدة ، وعلو الصيت ، ومباشرة الحرب ومتى خرج واحد منهم وقتل هذا العلج لم يكبر ذلك ، وان قتله العلج كانت وصمة ( 1 ) على العسكر عظيمة ، وثلمة لا تنسد ، ونحن عامة لا يرتفع لأحد منا صيت فان رأى أمير المؤمنين ان يختار رجلًا منا يخرج إليه فعَل ، فصوَّب الرشيد ( 2 ) رأيهم وقال مخلد وإبراهيم : صدقوا يا أمير المؤمنين ، فأومئوا إلى رجل منهم يعرف بابن الجزري ( 3 ) مشهور في الثغور ، موصوف بالنجدة ، فقال له الرشيد : اتخرج اليه ؟ قال : نعم ، وأستعين با لله عليه ، فقال : أعطوه فرساً وسيفاً ورمحاً وترساً ، فقال : يا أمير المؤمنين أنا بفرسي أوثق ، ورمحي في يدي أشد ، ولكن قد قبلت السيف والترس . فلبس السلاح ، واستدناه الرشيد فودعه وأتبعه بالدعاء ، وخرج معه عشرون من المتطوعة ، فلما انقضَّ في الوادي قال لهم العلج وهو يعدهم واحداً واحداً : إنما كان الشرط عشرين ، وقد ازددتم رجلًا ، ولكن لا بأس ، فنادوه : ليس يخرج لك منا إلا رجل واحد ، فلما فصَل ( 4 ) منهم ابن الجزري تأمله العلج ، وقد اشرف أكثر الروم من الحصن يتأملون

--> ( 1 ) في بعض النسخ : كانت وضيعة على العسكر . ( 2 ) في بعض النسخ : فاستصوب الرشيد الرأي . ( 3 ) في بعض النسخ : يعرف بابن الجزري . ( 4 ) في بعض النسخ : فلما انفصل .